محمد بن جرير الطبري

18

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

حدثني به المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا إسماعيل بن عبد الكريم ، قال : ثني عبد الصمد بن معقل ، أنه سمع وهبا يقول : إن عيسى ابن مريم لما أعلمه الله أنه خارج من الدنيا جزع من الموت وشق عليه ، فدعا الحواريين وصنع لهم طعاما ، فقال : احضروني الليلة ، فإن لي إليكم حاجة فلما اجتمعوا إليه من الليل عشاهم ، وقام يخدمهم ، فلما فرغوا من الطعام أخذ يغسل أيديهم ويوضئهم بيده ويمسح أيديهم بثيابه ، فتعاظموا ذلك وتكارهوه ، فقال : ألا من رد علي شيئا الليلة مما أصنع فليس مني ولا أنا منه فأقروه ، حتى إذا فرغ من ذلك ، قال : أما ما صنعت بكم الليلة مما خدمتكم على الطعام وغسلت أيديكم بيدي ، فليكن لكم بي أسوة ، فإنكم ترون أني خيركم ، فلا يتعظم بعضكم على بعض ، وليبذل بعضكم لبعض نفسه كما بذلت نفسي لكم . وأما حاجتي التي استعنتكم عليها ، فتدعون لي الله وتجتهدون في الدعاء أن يؤخر أجلي فلما نصبوا أنفسهم للدعاء ، وأرادوا أن يجتهدوا ، أخذهم النوم حتى لم يستطيعوا دعاء ، فجعل يوقظهم ويقول : سبحان الله أما تصبرون لي ليلة واحدة تعينوني فيها ؟ قالوا : والله ما ندري ما لنا ، لقد كنا نسمر فنكثر السمر ، وما نطيق الليلة سمرا وما نريد دعاء إلا حيل بيننا وبينه فقال : يذهب بالراعي وتتفرق الغنم . وجعل يأتي بكلام نحو هذا ينعي به نفسه ، ثم قال : الحق ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ثلاث مرات ، وليبيعني أحدكم بدراهم يسيرة ، وليأكلن ثمني فخرجوا وتفرقوا . وكانت اليهود تطلبه ، فأخذوا شمعون أحد الحواريين ، فقالوا : هذا من أصحابه ، فجحد ، وقال : ما أنا بصاحبه ، فتركوه . ثم أخذه آخرون ، فجحد كذلك ، ثم سمع صوت ديك ، فبكى وأحزنه . فلما أصبح أتى أحد الحواريين إلى اليهود ، فقال : ما تجعلون لي إن دللتكم على المسيح ؟ فجعلوا له ثلاثين درهما ، فأخذها ودلهم عليه ، وكان شبه عليهم قبل ذلك ، فأخذوه فاستوثقوا منه وربطوه بالحبل ، فجعلوا يقودونه ويقولون له : أنت كنت تحيي الموتى وتنتهر الشيطان وتبرئ المجنون ؟ أفلا تنجي نفسك من هذا الحبل ؟ ويبصقون عليه ، ويلقون عليه الشوك ، حتى أتوا به الخشبة التي أرادوا أن يصلبوه عليها ، فرفعه الله إليه ، وصلبوا ما شبه لهم ، فمكث سبعا . ثم إن أمه والمرأة التي كان يداويها عيسى فأبرأها الله من الجنون جاءتا تبكيان حيث كان المصلوب ، فجاءهما عيسى ، فقال : علام تبكيان ؟ قالتا عليك ، فقال : إني قد رفعني الله إليه ، ولم يصبني إلا خير ، وإن هذا شئ شبه لهم ، فأمرا الحواريين أن يلقوني إلى مكان كذا وكذا فلقوه إلى ذلك المكان أحد عشر ، وفقد الذي كان باعه ودل عليه اليهود ، فسأل عنه أصحابه ، فقالوا : إنه ندم على ما صنع ، فاختنق وقتل نفسه . فقال : لو تاب لتاب الله عليه ثم سألهم عن غلام يتبعهم يقال له :